محمود سالم محمد

122

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

القصيدة ، فقد تمثّل معاني القصيدة ودمجها فيما يريد قوله ، فظهرت وكأنها من إنتاج قريحته في مجملها ، وقد أعطى التخميس للقصيدة حركة ، وكسر رتابة الوزن وأسر القافية الواحدة ، فصارت أقرب إلى الإنشاد في مجالس الذكر . وفي هذا العصر ظهرت في المغرب ، وفي وقت مبكر ، قصيدة فريدة في بابها ، هي القصيدة الشقراطيسية التي نظمها أبو محمد عبد اللّه بن زكريا الشقراطيسي « 1 » ، وهي قصيدة طويلة ، نظم فيها الشاعر سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبدأها بقوله : الحمد للّه منّا باعث الرّسل * هدى بأحمد منّا أحمد السبّل خير البريّة من بدو ومن خضر * وأكرم الخلق من حاف ومنتعل توراة موسى أتت عنه فصدّقها * إنجيل عيسى بحقّ غير مفتعل « 2 » فالشاعر أضرب عن المقدمات ، ودخل مباشرة في المديح ، وأظهر منذ بداية القصيدة أنه يريد أن يقول ما يستطيع نظمه من سيرة الرسول الكريم ، لذلك استحالت القصيدة إلى جمع للأخبار والروايات ، وقسرها صاحبها على الدخول في قالب النظم ، فظهر أثر ذلك واضحا منذ البداية . وشرع في نظم المعجزات نظما خالصا ، لم يتدخل فيه ، ولم يضف عليها مشاعره ، حتى إذا حشد من المعجزات ما ارتاح إلى وجوده في قصيدته ، التفت إلى السيرة وأحداثها ، فنظم منها ما شاء ، وبعد أن نظم السيرة ، واكتفى بما نظم ، التفت إلى صاحب السيرة العطرة ، فشرع في مدحه قائلا : حجزت بالأمن أقطار الحجاز معا * وملت بالخوف عن خيف وعن ملل

--> ( 1 ) الشقراطيسي : عبد اللّه بن زكريا الشقراطيسي ، نسبة إلى شقراطيسية من بلاد الجريد بتونس . النويري : نهاية الأرب 18 / 347 . ( 2 ) النويري : نهاية الأرب 18 / 347 .